سميح عاطف الزين

594

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

والمعراج - وإن شكّلت حادثة سلبية بالنسبة للمسلمين - إلّا أن الأمر بذاته كان له وجه آخر إيجابي في حياة الدعوة . وقد أبرز هذا الوجه الإيجابيّ الاعتقاد والتصديق بأن الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح ، ولو كان بالروح ، أو كان مجرد رؤيا رآها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لما كان في ذلك غرابة ، ولما كان حصل الارتداد . . فالإنسان العادي يرى في المنام أحلاما عديدة ومتنوعة . وقد يرى رؤى غريبة وأحلاما عجيبة ، وهذا أمر طبيعي لأنه لا يمكن لأحد إلّا أن تأتيه الأحلام ، وهي على كثرتها ، وتنوعها تعبّر عن الحالات النفسية التي يعيشها كل فرد من أبناء البشر ، والناس عادة ، لا يكذّبون صاحب الرؤيا لأنها مجرد أضغاث أحلام . كما أن كتب الديانات وأخبار العظماء والنّساك حافلة بالأحلام التي يرونها . أما في حياة النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلو كان إسراؤه وعروجه روحيا فقط ، أو كان مجرد منام ، فما كان أسهل عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من أن يخبر الناس بحقيقته وبأنه أوحي به إليه ، أو أنه مجرد رؤيا رآها في المنام . . ولو فعل ذلك لما أثار أية دهشة ، ولا ظهرت تلك التساؤلات الكثيرة التي أدّت إلى ارتداد جماعة كانت من المسلمين . . هذا فضلا عن أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صادق مصدّق ، ولا يمكن أن يقول عن الرؤيا في المنام بأنها حقيقة حسيّة عايشها بجميع مداركه وحواسه ، وعاشها بسمعه وبصره لحظة بلحظة ، وواقعة بواقعة . . ثم إن أهميّة الإسراء والمعراج ، كما تبيّنهما سورة الإسراء وسورة النجم تكمن بدلالتها على أن النبي محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو نبيّ القبلتين ، وإمام المشرقين والمغربين ، ووارث الأنبياء قبله ، وإمام الأجيال . فقد التقت في شخصه وفي إسرائه مكة بالقدس ، والبيت الحرام بالمسجد الأقصى ،